الشيخ أحمد فريد المزيدي
211
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
من الآخرة ، فيؤجرون من حيث لا يضرّه . ثم قال الجنيد : هات الميزان . فوزن مائة درهم ، ثم قبض قبضة فألقاها على المائة ، ثم قال : احملها إليه . قال الشيخ : قلت في نفسي : إنما يوزن الشيء ليعرف مقداره ، فهذا قد خلط منه شيئا آخر فصار مجهولا ، وهو رجل حكيم ، فاستحييت أن أسأله عن ذلك . قال : فذهبت بالصّرة إلى النوري ، فقال : هات الميزان . فوزن مائة درهم ، وقال : ردّها عليه ، وقل له : أنا لا أقبل منك أنت شيئا . وأخذ ما زاد على المائة ، قال : فقلت : هذا أعجب ، فسألته : لم فعلت هذا ؟ فقال : الجنيد رجل حكيم ، يريد أن يأخذ الحبل بطرفيه ، وزن هذه المائة لنفسه للثواب من الآخرة ، وطرح عليها قبضة بلا وزن للّه عز وجلّ ، فأخذت ما كان للّه عز وجلّ ، ورددت ما كان جعله لنفسه . قال الشيخ : فرددتها إلى الجنيد ، فبكى ، وقال : أخذ ماله وردّ لنا مالنا « 1 » . حكي عن الجنيد أنّه قال : ذهبت يوما إلى ابن الكرنبي ومعي دراهم أريد أن أدفعها إليه ، وكان عندي أنه لا يعرفني ، وسألت أن يأخذ ذلك ، فقال : أنا عنه مستغن . وأبى أن يأخذ مني . فقلت له : إن كنت أنت عنها مستغنيا فأنا رجل من المسلمين أسرّ بأخذك لها ، فتأخذها لإدخال السرور عليّ . فأخذها مني « 2 » . الحج حجّ الجنيد قدّس اللّه سرّه وجماعة من المشايخ الأجلّة رحمهم اللّه ، ولم يحجّوا إلا حجة الإسلام ، وحجتهم في اختيارهم في ذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لم يحج إلا حجة واحدة « 3 » . قال الجنيد : حججت على الوحدة ، فجاورت بمكة ، فكنت إذا جنّ الليل دخلت الطواف ، فإذا بجارية تطوف وتقول : أبى الحبّ أن يخفى وكم قد كتمته * فأصبح عندي قد أناخ وطنبا
--> ( 1 ) انظر : قوت القلوب لأبي طالب ( 2 / 416 ) . ( 2 ) يقول أبو طالب المكي : إن الصوفيين اختلفوا في الأخذ ، هل الأخذ من الواجب أفضل أم التطوع ؟ ورأت طائفة أن تأخذ من الواجب ولا تقبل من التطوع ، لأن الفقراء إن تواطأوا على ألا يقبلوا الزكوات أثموا جميعا ، ورأت طائفة أخرى أن تأخذ من النوافل دون الفرائض حتى لا تزاحم المساكين في حقوقهم ، وعلّها لا تكمل أوصافهم . وممن ذهب إلى هذا أبو القاسم الجنيد . وانظر : القوت ( 2 / 422 ) ، واللمع للطوسي ( ص 263 ) . ( 3 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 223 ) .